الزمن السعيد
08-30-2009, 06:07 PM
“عقيدة” النقص تجاه الغرب
د.أحمد خيري العمري القدس العربي
داعية معروف، يتمتع بقاعدة شعبية واحترام واسعين، نُشِر باسمه مقالاً على الشبكة يروي فيه سفره للخارج لغرض العلاج ويقارن بين ما عندنا وما عندهم بأسلوب يتجاوز النقد الذاتي إلى ما هو أكثر بكثير.. (فالفرق بيننا وبينهم نقطة) حسب المقال لكنها نقطة تفرق بين العرب والغرب وبين الحوار والخوار وبين التحالف والتخالف وبين المحتار والمختار( كل الصفات السلبية لنا وكل الإيجابية لهم ).. انتشر المقال انتشار النار في الهشيم لأسباب ثلاثة: مكانة الشيخ أولاً، التلاعب اللغوي في الألفاظ الذي لا يزال يستهوي البعض ثانياً، وعقدة النقص المستشرية عند البعض ثالثاً..
سرعان ما اتضح أن المقال منحول على الشيخ ، و أن اسمه لم يلصق على المقال إلا لأغراض الترويج ، وأن كاتبه الحقيقي نشره باسمه أولا ولم ينل أي رواج، ثم قام أحدهم بلصق اسم الشيخ على المقال فكان ما كان من رواج..
مكتب الداعية نشر بياناً نفى فيه نسبة المقال له، ووصف من قام بذلك – عن حق- بالكذاب الأشر- لكن لم ينل التكذيب ما ناله المقال من الانتشار، شخصيا استلمت المقال أكثر من عشر مرات، أما التكذيب فقد وجدته بالصدفة في البريد المهمل!
لكن المقال وإن كان منحولا فهو يعبر عن ميل موجود لتكريس عقدة النقص وتحويلها من مجرد عقدة عابرة يمكن معالجتها وتجاوزها إلى عقيدة مكينة وراسخة تعرقل نمو الأمة ونضوجها وتكرس تبعيتها ودونيتها..
قبل أسابيع فقط ظهر على شاشة إحدى الفضائيات مفكر إسلامي معروف يتمتع هو الآخر بسمعة طيبة وتمكن المذيع ذي التوجه المعروف من جره إلى كيل المديح للغرب تحت شعار الإنصاف ولا تبخسوا الناس أشياءهم واستطاع المذيع أن يمرر بعض المقولات الجاهزة التي آن الأوان لإعادة النظر فيها..” هم لا يكذبون في الغرب، بينما نحن نكذب“!
هذه المقولة نسمعها دوما بألحان متعددة ونيات مختلفة وتستعمل غالبا للتغطية على فقدان بعض الأخلاق الأخرى في الغرب، وقد كان لها يومها في أذني صدى مختلف، ذلك أني سمعتها مؤخرا من إحدى الزميلات بينما هي تبرر زواج ابنتها من أمريكي غير مسلم (.. الأمريكان لا يكذبون بينما نحن نكذب) قالت بثقة، وكنا نعرف جميعا أن لزواج ابنتها حيثيات أخرى غير “الصدق” المفترض للصهر الأمريكي الذي على الاقل سيمنح جنسية بلد الأحلام للابنة العزيزة!
هذه النغمة المثبطة لا تؤدي حقيقة إلا إلى المزيد من الاستلاب، إنها ليست نقد الذات، بل جلد الذات.. جلدها من أجل تكريس عبوديتها ودونيتها..
ربما لا يكمن الحل في الحديث عن مثالب وسلبيات الغرب، لكن ربما لا مفر من ذلك على الأقل لموازنة الصورة الأسطورية التي لا يمكن التعامل معها بشكل إيجابي ما دامت مسكونة بالانبهار والعقد ( سلبا وإيجابا).
عندما جاء الاحتلال الأمريكي للعراق، قيل لنا إن الأمريكان سيعطون للشرق الأوسط الجديد نموذجا للأخلاق الغربية المهمة حقا: أي ليس الأخلاق التي نفهمها نحن: احترام الوقت ، احترام العمل، الإتقان…الخ
لكن الميدان الحقيقي أزال هذه الصورة تماما: فقد كان هناك إهدار الوقت والمال والفساد الإداري والرشاوى وعدم الإنجاز.. قيل وقتها إن ثقافة الشرق الأوسط تغلبت على حضارة الرجل الأبيض وأخلاقياتها ( لِم صار الفساد الإداري أكثر مما كان سائدا قبلها إذا كان ذلك هو الأمر حقا؟) و قيـل أيضا إن ذلك كان جزءا من خطة متعمدة لنشـر الخراب والفوضى ( والمقولتان تكرسان سلبيتنا وإيجابيتهم بالمناسبة، فالأولى تفترض أننا سلبيون لدرجة نقل سلبيتنا إليهم والثانية تفترض أنهم لا يمكن أن يخطئوا إلا إذا كان ذلك جزءا من خطة مسبقة!)
على أرض الواقع في أمريكا، لا أجد تلك الصورة التي كرسها فينا جلد الذات، هناك لا شك “النظام” ولكنه مرتبط بقوة وبوضوح بصرامة القانون حتى في أبسط القضايا: من المخالفات المرورية البسيطة التي قد تؤدي إلى حرمانك من حق الانتخاب في بعض الولايات، إلى “قص الحشيش” أمام المنزل الذي قد يؤدي التخلف عنه إلى غرامة مالية هائلة!
ما أقصده هنا أن الالتزام بالنظام –و هو مما لا ينكر وجوده – لا علاقة له بالأداء الطوعي له، الذي غالبا ما يوحى في المعزوفة إياها، بل هو نتيجة مباشرة طبيعية لترويض الإنسان الأمريكي على ذلك وهو الأمر الذي سيحدث لنا أيضا فيما لو توفر تطبيق قانون صارم أيضا (قارن ذلك بما حدث في التجربة العراقية حيث كان الفلَتان من أي قانون هو العلامة الأكثر تميزا للمرحلة كلها ).. في الوقت نفسه، فإن التحايل على القانون والخروج عنه أمر وارد جدا، ربما لن تستطيع أن تضع لشرطي المرور رشوة في رخصة القيادة كما يحدث عندنا، لكن محاميك سيتكفل بذلك بطريقة أخرى، و سيتكفل أيضا بتخليصك حتى من جريمة قتل، بسلسلة من الألاعيب والحيل القضائية المعروفة في النظام القضائي الأمريكي.
احترام الوقت ؟ ربما الهدر ليس كما هو عندنا، لكن الأمر ليس بالصورة التي تصور وهو بالتأكيد لا يصل لدرجة التقديس، إحصاءات النيوزويك عموما تؤكد الأمر من ناحية تصفح الموظفين الشبكة في مواقع لا تخص عملهم في أوقات العمل الرسمية ( حسب إحصاءات متخصصة، من ساعة إلى 3 ساعات كل يوم تضيع في ذلك! ) و هو الأمر الذي جعل حوالي 70 % من الشركات تقوم بمراقبة موظفيها خلال تصفحهم ، بل إن برنامج لعب الورق في جهاز الحاسوب – المعروف بالسوليتير – يعد البرنامج الثالث في استخدام الموظفين أثناء عملهم !( حسب مجلة التايم 10/12/1998) هذا غير أن تصفح 70-75% من المواقع الإباحية يتم خلال ساعات العمل الرسمية! ( لا أتحدث هنا عن الأمر من ناحية طبيعة المواقع إياها، بل من ناحية إهدار الوقت فحسب ).. بكل الأحوال أتفق أنك لن ترى موظفا ينفخ في وجهك ويتأفف كما هو عندنا، لكن سيكون هناك موظف لن ترى وجهه وسيتركك على الخط لتستمع إلى موسيقى كريهة أو إلى إعلانات مدفوعة الثمن وبين الحين والآخر سيقطع ذلك صوت المسجل الآلي الذي سيصبرك ويؤكد لك أن مكالمتك تهم الشركة جدا، (و لكن يبدو أن هناك ما هو أهم منها..). وسيستمر ذلك إلى (أقرب الأجلين ) أي إلى أن يتكرم أحدهم بالرد عليك أو تمل أنت وتقطع الخط .
عندما قدمت إلى إحدى شركات توفير خدمة الشبكة للمنازل، اخترت أقوى هذه الشركات وأكثرها كلفة على أساس أن (الغالي رخيص!) اتصلت بهم بعد بعض الإجراءات على موقع الشركة على الشبكة، تم دفع مبلغ فيها، سألوني بمنتهى اللطف عن أنسب الأوقات لحضور التقني إلى المنزل، وإذا بي قد كشفت سري، قالت الموظفة بمنتهى الأسف إن هذا الوقت محجوز سلفا لعدة أيام و أقرب موعد ممكن هو بعد عشرة أيام.. لا مجال للتراجع لأسباب كثيرة، و هكذا انتظرت الموعد المحدد وفوجئت في الليلة السابقة للموعد باتصال من المسجل الآلي يخبرني بإلغاء الموعد لأسباب تقنية، و تكرر الاتصال حوالي خمس مرات ( لن تكون واثقا إن كان هذه الاتصالات تكلفك لأن الاتصال الذي تتلقاه هنا يكلفك أيضا وليس كما هو الحال عندنا ) ولأنه مجرد مسجل صوتي فإنك لن تتمكن من الصراخ فيه أنك فهمت أو أن يكف عن الاتصال أو عن السبب في التأجيل، وسيطلب منك المسجل الآلي ببرود أن تتصل في اليوم التالي لتحدد الموعد، ومرة أخرى : الوقت المناسب غير متوفر إلى عشرة أيام أخرى ( سبحان الله!) ومرة أخرى أيضا يتكرر التأجيل ومرة أخرى لن أتمكن من الانسحاب ليس فقط بسبب المبلغ المدفوع ولكن لاحتمالية أن تكون الشركة الأخرى تقدم خدمات “تأجيل” مماثلة، في الموعد الثالث جاء المسجل الآلي لا ليلغي الموعد هذه المرة بل ليؤكده ويكرر الأمر خمس مرات أيضا مع التشديد على وجودي في المنزل بين الساعة الخامسة و الثامنة مساء – و هي الفترة التي يتوقع وصول التقني..
في الثامنة إلا خمس دقائق فحسب يتصل التقني ليخبرني أنه “عالق” في مكان ما بسبب الزحام، و أن الوصول سيتطلب بعض الوقت فهل أفضل التأجيل أم الانتظار، قلت له إني سأنتظر و لم يأت إلا قبل العاشرة بقليل، وهو وقت مزعج جدا إن كنت تنام مبكرا مثلي، بدا حريصا على حملي على التأجيل حتى بعد وصوله كما لو أنه يحصل على حوافز مالية على ذلك، قال لي إن عدته تعرضت للسرقة اليوم وإن صندوق الاستقبال المتبقي غير مطابق لما طلبته، وفي هذه الحالة علي إما أن أجلب صندوق استقبال من السوق (في الساعة العشرة مساءاً!) أو أطلب ترقية الخدمة إلى الصندوق المتبقي، أو أن أؤجل الأمر كله لكي يتسنى له أن يجلب الصندوق الآخر.. قلت له إني أطلب ترقية الخدمة فبدت الخيبة على وجهه وطلب مني الاتصال بخدمة الزبائن لأنهم ربما لن يسمحوا بذلك، اتصلت فعلا وبعد عدة دقائق من الحديث مع المسجل الآلي ظهر لي العميل على الخط وأبلغني بموافقة الشركة على طلبي لترقية الخدمة شاكرا ثقتي بها (!!) سألته عن الكلفة الإضافية للصندوق الجديد فأكد أن سعر الخدمة الأساسي الشهري لن يزيد وإنما فقط كلفة تنصيب الخدمة سيزيد سبع دولارات فحسب، أعدت السؤال مرة أخرى للتأكد، وأعاد هو الجواب بثقة (اتضح لاحقا أن الخدمة الشهرية لن تتغير فعلا لكن الضريبة عليها ستزيد!) لن يكف التقني عن محاولاته إقناعي بالتأجيل ، ذهب إلى السيارة وعاد وفي يديه سلك أسود اللون وهو يقول: أرأيت؟ هذا كل ما تبقى وهو لا يناسب الدهان الأبيض! (لذا فإن من الأفضل التأجيل حتى يتسنى له جلب سلك مناسب !) قلت له إني لا أمانع السلك الأسود، فسألني هل لديك زوجة أو صديقة؟! فاستغربت السؤال لأنهم نادرا ما يتطفلون هكذا، قال لأن النساء عادة يمانعن السلك الأسود( كان محقاً) لكني أكدت له أني وزوجتي على بعد آلاف الأميال من محبي السلك الأسود على الدهان الأبيض (فقط أنهِ الأمر!) و لم ينته الأمر إلا بعد منتصف الليل وبعد أن استنجد بزميل له وفشلا معاً في تشفير الخدمة وبقيت الخدمة مشاعة للبناء كله وربما للأبنية المجاورة! أقول فشلا وأشدد عليها، رغم أنهما أمريكيان “نخب أول” وليسا من المهاجرين مثلا!
لم يكن ذلك كله مجرد سوء حظ صادفني، بل هي طريقة ممنهجة للاحتيال والنصب والإهمال – و لكن عبر أغلفة قانونية تشرعن ذلك.. لم يكن الأمر مع خدمة الهاتف المحمول مختلفا كثيرا، فبدلا من المائة الدولار شهريا المتفق عليها عند توقيع العقد استلمت فاتورة تزيد بـ 60% عن ذلك! اتصلت بخدمة رعاية الزبائن وبعد عدة تحويلات من مسجل آلي إلى آخر ومن موسيقى الراب الكارثية إلى موسيقى أخرى لا أعرف صنفها ظهر لي العميل وهو يشكرني على اتصالي وثقتي ويخبرني أن هذه الزيادة ترتبط بتفعيل الخدمة التي بدأتها في نهاية الشهر وليس في بدايته! فاتورة الشهر الثاني قلت قليلا لكنها زادت عن مبلغ العقد بـ40% ، هنا تم تذكيري بفقرة في العقد الذي وقعته، ولأن العقد سلم لي بخط منمنم يحتاج إلى عدسة مكبرة بالإضافة إلى النظارتين، فإني – كما يفعل الملايين!- لم أقرأه واكتفيت بشرح العميل! الفقرة تؤكد إقراري بأية زيادة تقرها الشركة لتدفع للتبرعات والضرائب, واكتشفت لاحقا أن الشركة قد تبرعت لصالح محاربة سرطان الرئة وتلوث البيئة وكل ذلك من حساب زبائنها، والشركة لم تتبرع حبا بالخير (لا هي ولا كل المشاهير الذين يفعلون ذلك) و لكن لأن تبرعات كهذه توفر لهم خصومات ضريبية هائلة! أي إن الشركة تقلل من ضريبتها عبر جعل الزبائن يدفعونها بالنيابة عنها!
لو أن صاحب دكانة الحي فعل عشر معشار هذا لقلنا إن الغش متأصل فينا وانظروا أمانة الغرب، نحن نكذب وهم لا يكذبون وما ضرنا لو أنه كان يزني كل يوم ما دام صادقا وأمينا…الخ هذه المعزوفة..
لكن إذا كان كل ما مر ليس كذبا واحتيالا وهدرا في الوقت فأنا لا أعرف ما هو…. كل الفرق هو عدم وجود “أبو فلان” بائع الدكان الذي تصب جام غضبك عليه عادة، لا يمكنك أن تفعل ذلك مع المسجل الآلي أو الشركات العملاقة التي لن تأبه لك بكل الأحوال!
لا يعني ما سبق أننا بلا عيوب، أو أننا يجب أن نتغنى بفضائلنا، أبدا.. لكن نقد الذات إما أن يكون من أجل بنائها أو لا يكون ! ..أما ما هو سائد فلا علاقة له إلا بالهدم وبالهدم فقط! ما الفرق بين الاثنين؟ الفرق بوضوح وببساطة أن النقد الذي يبني الذات لا يكرس سلبية هذه الذات أمام تفوق الآخر ( =الغربي ) بل يحاول أن يعيد بناءها بالعودة إلى قيم مرجعية أساسية ، لا أعرف أمة تمكنت من النهوض بينما مفكروها ودعاتها يكرسون عندها الشعور بالدونية أمام الشعوب الأخرى كما هو حاصل مع بعض مفكرينا و دعاتنا حتى بعض الاسلاميين منهم للأسف .. على العكس ، شرارة النهضة لا تنمو إلا في مناخ يمجد قيم الذات الأصلية، لا ما تراكم عليها من سلبيات و أدران.. كلما تحدثوا عن قبول الآخر و تفوق تذكرت ذلك (الآخر) الذي يجب أن نقارن أنفسنا به، (الآخر) الذي كنّاه يوما ما، الآخر الذي يتحدد بسلطة النص المؤسس لنهضة هذه الأمة : القرآن الكريم.. أما “عقيدة” النقص تجاه الغرب عند بعض المفكرين وكتاب الورقيات و المدونات فهي لن تنتج سوى أمة ممسوخة مشوهة، تعاني من الانبهار والتبعية.. حتى لو غلف ذلك بشعارات الإنصاف والنزاهة و التجديد.
د.أحمد خيري العمري القدس العربي
داعية معروف، يتمتع بقاعدة شعبية واحترام واسعين، نُشِر باسمه مقالاً على الشبكة يروي فيه سفره للخارج لغرض العلاج ويقارن بين ما عندنا وما عندهم بأسلوب يتجاوز النقد الذاتي إلى ما هو أكثر بكثير.. (فالفرق بيننا وبينهم نقطة) حسب المقال لكنها نقطة تفرق بين العرب والغرب وبين الحوار والخوار وبين التحالف والتخالف وبين المحتار والمختار( كل الصفات السلبية لنا وكل الإيجابية لهم ).. انتشر المقال انتشار النار في الهشيم لأسباب ثلاثة: مكانة الشيخ أولاً، التلاعب اللغوي في الألفاظ الذي لا يزال يستهوي البعض ثانياً، وعقدة النقص المستشرية عند البعض ثالثاً..
سرعان ما اتضح أن المقال منحول على الشيخ ، و أن اسمه لم يلصق على المقال إلا لأغراض الترويج ، وأن كاتبه الحقيقي نشره باسمه أولا ولم ينل أي رواج، ثم قام أحدهم بلصق اسم الشيخ على المقال فكان ما كان من رواج..
مكتب الداعية نشر بياناً نفى فيه نسبة المقال له، ووصف من قام بذلك – عن حق- بالكذاب الأشر- لكن لم ينل التكذيب ما ناله المقال من الانتشار، شخصيا استلمت المقال أكثر من عشر مرات، أما التكذيب فقد وجدته بالصدفة في البريد المهمل!
لكن المقال وإن كان منحولا فهو يعبر عن ميل موجود لتكريس عقدة النقص وتحويلها من مجرد عقدة عابرة يمكن معالجتها وتجاوزها إلى عقيدة مكينة وراسخة تعرقل نمو الأمة ونضوجها وتكرس تبعيتها ودونيتها..
قبل أسابيع فقط ظهر على شاشة إحدى الفضائيات مفكر إسلامي معروف يتمتع هو الآخر بسمعة طيبة وتمكن المذيع ذي التوجه المعروف من جره إلى كيل المديح للغرب تحت شعار الإنصاف ولا تبخسوا الناس أشياءهم واستطاع المذيع أن يمرر بعض المقولات الجاهزة التي آن الأوان لإعادة النظر فيها..” هم لا يكذبون في الغرب، بينما نحن نكذب“!
هذه المقولة نسمعها دوما بألحان متعددة ونيات مختلفة وتستعمل غالبا للتغطية على فقدان بعض الأخلاق الأخرى في الغرب، وقد كان لها يومها في أذني صدى مختلف، ذلك أني سمعتها مؤخرا من إحدى الزميلات بينما هي تبرر زواج ابنتها من أمريكي غير مسلم (.. الأمريكان لا يكذبون بينما نحن نكذب) قالت بثقة، وكنا نعرف جميعا أن لزواج ابنتها حيثيات أخرى غير “الصدق” المفترض للصهر الأمريكي الذي على الاقل سيمنح جنسية بلد الأحلام للابنة العزيزة!
هذه النغمة المثبطة لا تؤدي حقيقة إلا إلى المزيد من الاستلاب، إنها ليست نقد الذات، بل جلد الذات.. جلدها من أجل تكريس عبوديتها ودونيتها..
ربما لا يكمن الحل في الحديث عن مثالب وسلبيات الغرب، لكن ربما لا مفر من ذلك على الأقل لموازنة الصورة الأسطورية التي لا يمكن التعامل معها بشكل إيجابي ما دامت مسكونة بالانبهار والعقد ( سلبا وإيجابا).
عندما جاء الاحتلال الأمريكي للعراق، قيل لنا إن الأمريكان سيعطون للشرق الأوسط الجديد نموذجا للأخلاق الغربية المهمة حقا: أي ليس الأخلاق التي نفهمها نحن: احترام الوقت ، احترام العمل، الإتقان…الخ
لكن الميدان الحقيقي أزال هذه الصورة تماما: فقد كان هناك إهدار الوقت والمال والفساد الإداري والرشاوى وعدم الإنجاز.. قيل وقتها إن ثقافة الشرق الأوسط تغلبت على حضارة الرجل الأبيض وأخلاقياتها ( لِم صار الفساد الإداري أكثر مما كان سائدا قبلها إذا كان ذلك هو الأمر حقا؟) و قيـل أيضا إن ذلك كان جزءا من خطة متعمدة لنشـر الخراب والفوضى ( والمقولتان تكرسان سلبيتنا وإيجابيتهم بالمناسبة، فالأولى تفترض أننا سلبيون لدرجة نقل سلبيتنا إليهم والثانية تفترض أنهم لا يمكن أن يخطئوا إلا إذا كان ذلك جزءا من خطة مسبقة!)
على أرض الواقع في أمريكا، لا أجد تلك الصورة التي كرسها فينا جلد الذات، هناك لا شك “النظام” ولكنه مرتبط بقوة وبوضوح بصرامة القانون حتى في أبسط القضايا: من المخالفات المرورية البسيطة التي قد تؤدي إلى حرمانك من حق الانتخاب في بعض الولايات، إلى “قص الحشيش” أمام المنزل الذي قد يؤدي التخلف عنه إلى غرامة مالية هائلة!
ما أقصده هنا أن الالتزام بالنظام –و هو مما لا ينكر وجوده – لا علاقة له بالأداء الطوعي له، الذي غالبا ما يوحى في المعزوفة إياها، بل هو نتيجة مباشرة طبيعية لترويض الإنسان الأمريكي على ذلك وهو الأمر الذي سيحدث لنا أيضا فيما لو توفر تطبيق قانون صارم أيضا (قارن ذلك بما حدث في التجربة العراقية حيث كان الفلَتان من أي قانون هو العلامة الأكثر تميزا للمرحلة كلها ).. في الوقت نفسه، فإن التحايل على القانون والخروج عنه أمر وارد جدا، ربما لن تستطيع أن تضع لشرطي المرور رشوة في رخصة القيادة كما يحدث عندنا، لكن محاميك سيتكفل بذلك بطريقة أخرى، و سيتكفل أيضا بتخليصك حتى من جريمة قتل، بسلسلة من الألاعيب والحيل القضائية المعروفة في النظام القضائي الأمريكي.
احترام الوقت ؟ ربما الهدر ليس كما هو عندنا، لكن الأمر ليس بالصورة التي تصور وهو بالتأكيد لا يصل لدرجة التقديس، إحصاءات النيوزويك عموما تؤكد الأمر من ناحية تصفح الموظفين الشبكة في مواقع لا تخص عملهم في أوقات العمل الرسمية ( حسب إحصاءات متخصصة، من ساعة إلى 3 ساعات كل يوم تضيع في ذلك! ) و هو الأمر الذي جعل حوالي 70 % من الشركات تقوم بمراقبة موظفيها خلال تصفحهم ، بل إن برنامج لعب الورق في جهاز الحاسوب – المعروف بالسوليتير – يعد البرنامج الثالث في استخدام الموظفين أثناء عملهم !( حسب مجلة التايم 10/12/1998) هذا غير أن تصفح 70-75% من المواقع الإباحية يتم خلال ساعات العمل الرسمية! ( لا أتحدث هنا عن الأمر من ناحية طبيعة المواقع إياها، بل من ناحية إهدار الوقت فحسب ).. بكل الأحوال أتفق أنك لن ترى موظفا ينفخ في وجهك ويتأفف كما هو عندنا، لكن سيكون هناك موظف لن ترى وجهه وسيتركك على الخط لتستمع إلى موسيقى كريهة أو إلى إعلانات مدفوعة الثمن وبين الحين والآخر سيقطع ذلك صوت المسجل الآلي الذي سيصبرك ويؤكد لك أن مكالمتك تهم الشركة جدا، (و لكن يبدو أن هناك ما هو أهم منها..). وسيستمر ذلك إلى (أقرب الأجلين ) أي إلى أن يتكرم أحدهم بالرد عليك أو تمل أنت وتقطع الخط .
عندما قدمت إلى إحدى شركات توفير خدمة الشبكة للمنازل، اخترت أقوى هذه الشركات وأكثرها كلفة على أساس أن (الغالي رخيص!) اتصلت بهم بعد بعض الإجراءات على موقع الشركة على الشبكة، تم دفع مبلغ فيها، سألوني بمنتهى اللطف عن أنسب الأوقات لحضور التقني إلى المنزل، وإذا بي قد كشفت سري، قالت الموظفة بمنتهى الأسف إن هذا الوقت محجوز سلفا لعدة أيام و أقرب موعد ممكن هو بعد عشرة أيام.. لا مجال للتراجع لأسباب كثيرة، و هكذا انتظرت الموعد المحدد وفوجئت في الليلة السابقة للموعد باتصال من المسجل الآلي يخبرني بإلغاء الموعد لأسباب تقنية، و تكرر الاتصال حوالي خمس مرات ( لن تكون واثقا إن كان هذه الاتصالات تكلفك لأن الاتصال الذي تتلقاه هنا يكلفك أيضا وليس كما هو الحال عندنا ) ولأنه مجرد مسجل صوتي فإنك لن تتمكن من الصراخ فيه أنك فهمت أو أن يكف عن الاتصال أو عن السبب في التأجيل، وسيطلب منك المسجل الآلي ببرود أن تتصل في اليوم التالي لتحدد الموعد، ومرة أخرى : الوقت المناسب غير متوفر إلى عشرة أيام أخرى ( سبحان الله!) ومرة أخرى أيضا يتكرر التأجيل ومرة أخرى لن أتمكن من الانسحاب ليس فقط بسبب المبلغ المدفوع ولكن لاحتمالية أن تكون الشركة الأخرى تقدم خدمات “تأجيل” مماثلة، في الموعد الثالث جاء المسجل الآلي لا ليلغي الموعد هذه المرة بل ليؤكده ويكرر الأمر خمس مرات أيضا مع التشديد على وجودي في المنزل بين الساعة الخامسة و الثامنة مساء – و هي الفترة التي يتوقع وصول التقني..
في الثامنة إلا خمس دقائق فحسب يتصل التقني ليخبرني أنه “عالق” في مكان ما بسبب الزحام، و أن الوصول سيتطلب بعض الوقت فهل أفضل التأجيل أم الانتظار، قلت له إني سأنتظر و لم يأت إلا قبل العاشرة بقليل، وهو وقت مزعج جدا إن كنت تنام مبكرا مثلي، بدا حريصا على حملي على التأجيل حتى بعد وصوله كما لو أنه يحصل على حوافز مالية على ذلك، قال لي إن عدته تعرضت للسرقة اليوم وإن صندوق الاستقبال المتبقي غير مطابق لما طلبته، وفي هذه الحالة علي إما أن أجلب صندوق استقبال من السوق (في الساعة العشرة مساءاً!) أو أطلب ترقية الخدمة إلى الصندوق المتبقي، أو أن أؤجل الأمر كله لكي يتسنى له أن يجلب الصندوق الآخر.. قلت له إني أطلب ترقية الخدمة فبدت الخيبة على وجهه وطلب مني الاتصال بخدمة الزبائن لأنهم ربما لن يسمحوا بذلك، اتصلت فعلا وبعد عدة دقائق من الحديث مع المسجل الآلي ظهر لي العميل على الخط وأبلغني بموافقة الشركة على طلبي لترقية الخدمة شاكرا ثقتي بها (!!) سألته عن الكلفة الإضافية للصندوق الجديد فأكد أن سعر الخدمة الأساسي الشهري لن يزيد وإنما فقط كلفة تنصيب الخدمة سيزيد سبع دولارات فحسب، أعدت السؤال مرة أخرى للتأكد، وأعاد هو الجواب بثقة (اتضح لاحقا أن الخدمة الشهرية لن تتغير فعلا لكن الضريبة عليها ستزيد!) لن يكف التقني عن محاولاته إقناعي بالتأجيل ، ذهب إلى السيارة وعاد وفي يديه سلك أسود اللون وهو يقول: أرأيت؟ هذا كل ما تبقى وهو لا يناسب الدهان الأبيض! (لذا فإن من الأفضل التأجيل حتى يتسنى له جلب سلك مناسب !) قلت له إني لا أمانع السلك الأسود، فسألني هل لديك زوجة أو صديقة؟! فاستغربت السؤال لأنهم نادرا ما يتطفلون هكذا، قال لأن النساء عادة يمانعن السلك الأسود( كان محقاً) لكني أكدت له أني وزوجتي على بعد آلاف الأميال من محبي السلك الأسود على الدهان الأبيض (فقط أنهِ الأمر!) و لم ينته الأمر إلا بعد منتصف الليل وبعد أن استنجد بزميل له وفشلا معاً في تشفير الخدمة وبقيت الخدمة مشاعة للبناء كله وربما للأبنية المجاورة! أقول فشلا وأشدد عليها، رغم أنهما أمريكيان “نخب أول” وليسا من المهاجرين مثلا!
لم يكن ذلك كله مجرد سوء حظ صادفني، بل هي طريقة ممنهجة للاحتيال والنصب والإهمال – و لكن عبر أغلفة قانونية تشرعن ذلك.. لم يكن الأمر مع خدمة الهاتف المحمول مختلفا كثيرا، فبدلا من المائة الدولار شهريا المتفق عليها عند توقيع العقد استلمت فاتورة تزيد بـ 60% عن ذلك! اتصلت بخدمة رعاية الزبائن وبعد عدة تحويلات من مسجل آلي إلى آخر ومن موسيقى الراب الكارثية إلى موسيقى أخرى لا أعرف صنفها ظهر لي العميل وهو يشكرني على اتصالي وثقتي ويخبرني أن هذه الزيادة ترتبط بتفعيل الخدمة التي بدأتها في نهاية الشهر وليس في بدايته! فاتورة الشهر الثاني قلت قليلا لكنها زادت عن مبلغ العقد بـ40% ، هنا تم تذكيري بفقرة في العقد الذي وقعته، ولأن العقد سلم لي بخط منمنم يحتاج إلى عدسة مكبرة بالإضافة إلى النظارتين، فإني – كما يفعل الملايين!- لم أقرأه واكتفيت بشرح العميل! الفقرة تؤكد إقراري بأية زيادة تقرها الشركة لتدفع للتبرعات والضرائب, واكتشفت لاحقا أن الشركة قد تبرعت لصالح محاربة سرطان الرئة وتلوث البيئة وكل ذلك من حساب زبائنها، والشركة لم تتبرع حبا بالخير (لا هي ولا كل المشاهير الذين يفعلون ذلك) و لكن لأن تبرعات كهذه توفر لهم خصومات ضريبية هائلة! أي إن الشركة تقلل من ضريبتها عبر جعل الزبائن يدفعونها بالنيابة عنها!
لو أن صاحب دكانة الحي فعل عشر معشار هذا لقلنا إن الغش متأصل فينا وانظروا أمانة الغرب، نحن نكذب وهم لا يكذبون وما ضرنا لو أنه كان يزني كل يوم ما دام صادقا وأمينا…الخ هذه المعزوفة..
لكن إذا كان كل ما مر ليس كذبا واحتيالا وهدرا في الوقت فأنا لا أعرف ما هو…. كل الفرق هو عدم وجود “أبو فلان” بائع الدكان الذي تصب جام غضبك عليه عادة، لا يمكنك أن تفعل ذلك مع المسجل الآلي أو الشركات العملاقة التي لن تأبه لك بكل الأحوال!
لا يعني ما سبق أننا بلا عيوب، أو أننا يجب أن نتغنى بفضائلنا، أبدا.. لكن نقد الذات إما أن يكون من أجل بنائها أو لا يكون ! ..أما ما هو سائد فلا علاقة له إلا بالهدم وبالهدم فقط! ما الفرق بين الاثنين؟ الفرق بوضوح وببساطة أن النقد الذي يبني الذات لا يكرس سلبية هذه الذات أمام تفوق الآخر ( =الغربي ) بل يحاول أن يعيد بناءها بالعودة إلى قيم مرجعية أساسية ، لا أعرف أمة تمكنت من النهوض بينما مفكروها ودعاتها يكرسون عندها الشعور بالدونية أمام الشعوب الأخرى كما هو حاصل مع بعض مفكرينا و دعاتنا حتى بعض الاسلاميين منهم للأسف .. على العكس ، شرارة النهضة لا تنمو إلا في مناخ يمجد قيم الذات الأصلية، لا ما تراكم عليها من سلبيات و أدران.. كلما تحدثوا عن قبول الآخر و تفوق تذكرت ذلك (الآخر) الذي يجب أن نقارن أنفسنا به، (الآخر) الذي كنّاه يوما ما، الآخر الذي يتحدد بسلطة النص المؤسس لنهضة هذه الأمة : القرآن الكريم.. أما “عقيدة” النقص تجاه الغرب عند بعض المفكرين وكتاب الورقيات و المدونات فهي لن تنتج سوى أمة ممسوخة مشوهة، تعاني من الانبهار والتبعية.. حتى لو غلف ذلك بشعارات الإنصاف والنزاهة و التجديد.